الشنقيطي
113
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الرعد قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ 7 ] . هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن لكل قوم هاديا ، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هاد سواء ، فسرنا الهدى بمعناه الخاص أو بمعناه العام ، فمن الآيات الدالة على أن بعض الناس لم يكن لهم هاد بالمعنى الخاص ، قوله تعالى وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ [ الأنعام : 116 ] فهؤلاء المضلون لم يهدهم هاد الهدى الخاص ، الذي هو التوفيق ، لما يرضي اللّه ، ونظيرها قوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [ الرعد : 1 ] وقوله وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 8 ] إلى غير ذلك من الآيات . ومن الآيات الدالة على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هاد بالمعنى العام ، الذي هو إبانة الطريق ، قوله تعالى لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [ يس : 6 ] بناء على التحقيق من أن ما نافية لا موصولة وقوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [ المائدة : 19 ] الآية . فالذين ماتوا في هذه الفترة ، لم يكن لهم هاد بالمعنى الأعم أيضا . والجواب عن هذا من أربعة أوجه : الأول : أن معنى قوله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي داع يدعوهم ويرشدهم إما إلى خير كالأنبياء . وإما إلى شر كالشياطين . أي وأنت يا رسول اللّه منذر هاد إلى كل خير ، وهذا القول مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، وقد جاء في القرآن استعمال الهدى في الإرشاد إلى الشر أيضا كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [ الحج : 4 ] وقوله تعالى فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] وقوله تعالى وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [ النساء : 168 - 169 ] كما جاء في القرآن أيضا إطلاق الإمام على الداعي إلى الشر في قوله وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [ القصص : 41 ] الآية .